محمد تقي النقوي القايني الخراساني
48
مفتاح السعادة في شرح نهج البلاغة
فانّ المجرّدات منسلخة عن الزّمان والمكان قطعا وإذا كان الامر على هذا المنوال فما المخلص من هذا الاشكال قلت اسناد الأمور إلى السّماء فيه وجوه أحدها - انّ السّماء كما نقلنا عن أهل اللَّغة عبارة عن جهة العلو ونحن في جهة السّفل لكوننا ساكنين في الأرض ولا شكّ انّها بالنّسبة إلى فوقها جهة السّفل كما انّ فوقها بالمقايسة إليها جهة العلوّ لا بالمقايسة إلى فوقه نفسه وحيث انّ الأمور المقدّرة لنا تصل الينا من عالم الغيب - اعني عالم المجرّدات والمجرّد اشرف واعلى من المادّى فكلّ ما هو من سنخه أيضا أعلى وأشرف وإذ ثبت كون الامر اشرف واعلى فصّح قوله ( ع ) انّ الامر ينزل من السّماء اى من عالم المجرّدات إلى عالم المادّة . وثانيها - انّه لا شكّ في كونه تعالى أعلى وأشرف من مخلوقاته لانّه علَّة وما سواه معلول له وكلّ علَّة اشرف من المعلول فهو تعالى اشرف واعلى وإذا ثبت كونه من حيث الذّات أعلى فهو من حيث الصّفات كذلك لعينيّة الصّفات والذّات وعليه فمعنى قولنا ينزل الامر من السّماء اى من عالم الرّبوبى ، فانّ الامر ليس الَّا كلامه والتّعبير بالنّزول كما في كثير من الآيات أيضا إشارة إلى انّ الإفاضات من العلَّة إلى المعلول ومن عالم المجرّدات إلى عالم المادّة ولا شكّ انّ هذا لا يمكن بدون التّنزل . وثالثها - انّ عالم العناصر والطَّبيعة أحسن العوالم لكونه عالم الأضداد والأنداد والتّزاحم والتّعاند فكلّ ما وصل إلى هذا العالم من سائر العوالم يصدق عليه انّه ينزل من السّماء اى من جهة العلو وأمثال ذلك